السيد عبد الله الجزائري

175

التحفة السنية في شرح النخبة المحسنية

لما يعلمه من سبوغ عطايا الملك وكرم أخلاقه ومن استعمل النعمة في المعصية فقد كفرها نظير ما لو ركب الفرس فائق بها عن باب الملك المنعم إلى باب عدوه وجدواه استدامة النعمة ففي المشهور بالشكر تدوم النعم واستزادتها فعن أبي ( الكافي ) عبد اللَّه عليه السلم من اعطى الشكر أعطي الزيادة قال اللَّه تعالى لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ . وعنه عليه السلم ما أنعم اللَّه على عبد من نعمة فعرفها بقلبه وحمد اللَّه ظاهرا بلسانه فتم كلامه حتى يؤمر له بالمزيد . وهي اما دنيوية كالخلقة السوية الظاهرة والباطنة وتسهيل الملاذ الشهية المباحة وصرف أنواع المفاسد والمضار الممكنة في كل آن وتقريب المصالح والمنافع مما لو عمر الواحد عمر نوح وأراد علاج أدنى شيء منها بسعيه وقوته لتعذر عليه واما دينية كالإسلام ومعرفة الأئمة المعصومين صلوات اللّه عليهم على وجهها وهي الايمان والتوفيق على الطاعة بتهيئة أسبابها والعصمة عن المعصية بالتثبيط عنها وهي وان كانت أحوالا دنيوية لأنها قبل الموت وربما تشتمل على حظوظ عاجلة أيضا الا ان الغالب فيها حظ الدين فمن ثم تنسب اليه وهي أعظم من الدنيوية المحضة لأنها نعم في أنفسها ومباد لنعم أخرى دائمة لإيصالها إلى السعادة الأبدية من اللذات العقلية والحسية التي لا نهاية لها والإنجاء عن الشقاوة السرمدية وهي الآلام كذلك والمراد بالسرمد هنا ما يرادف الأبد وان أريد في غيره ما يعمه والأزل واما قوله سبحانه خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ . فاما ان يراد سماوات الآخرة وأرضها أو هو كناية عن الدوام التأبيد في كلام العرب والقرآن نزل بلغهم وفي الحديث النبوي وأحاديث أهل البيت صلوات اللَّه عليهم انه إذا دخل الجنة أهل الجنة وأهل النار النار جيء بالموت كأنه كبش أملح فيذبح ثم يقال خلود فلا موت ابدا . وما يتوهم من أن في القول بتأبيد أهل الآخرة منافاة لما ورد من أنه سبحانه هو الباقي . والأخر . وكل شيء هالك الا وجهه . ونحو ذلك مما يدل على اختصاص البقاء الأبدي به تعالى فيجب حمل ما يدل على التأبيد على المكث المديد فمدفوع بان المعلوم اختصاصه به عز وجل هو البقاء الذاتي ولا ينافي ذلك بقاء غيره بالغير وقد يتراءى ان القول ببقائهم ملتذين أو متألمين انما يستقيم في الأرواح المجردة بلذاتها وآلامها العقلية دون الأبدان ولذاتها وآلامها الحسية لان القوى الجسمانية متناهية فلا يعقل خلود الحياة والمثل هذا يقال بوجوب الموت في الدنيا وأيضا الرطوبة التي هي مادة الحياة تفنى بالحرارة سيما حرارة نار جهنم فيفضي إلى الفناء ضرورة وأيضا دوام الإحراق